هذه القصيدة من روائع نزار قباني
________________
وعدتُ ألا أحبكِ
ثم أمام القرار الكبيرِ .. جبُنتُ
وعدتكِ ألا أعودُ .. وعدتُ
وألا أموتُ اشتياقاً .. ومتُّ
وعدتُ مراراً
وقررت أن أستقيل مراراً
ولا أتذكر أني استقلتُ
وعدتُ بأشياءَ أكبر مني
فماذا غداً ستقول الجرائدُ عني
أكيدٌ , ستكتبُ أني جننتْ
أكيدٌ , ستكتبُ أني انتحرتْ
وعدتكِ ألا أكون ضعيفاً
.
.
وكنتُ
وألا أقولُ بعينيكِ شعراً
.
.
وقلتُ
وعدتُ بألا وألا وألا
وحين اكتشفتُ غبائي .. ضحكتُ
وعدتكِ ألا أبالي بشعركِ حين يمر أمامي
وحين تدفق كالليل فوق الرصيف صرخت
وعدتكِ أن أتجاهل عينيكِ مهما دعاني الحنين
وحين رأيتهما تمطران نجوماً شهقتُ
وعدتك ألا أوجه أي رسالة حبٍ إليكِ
ولكنني رغم أنفي كتبت
وعدتكِ ألا أكون في أي مكانٍ تكونين فيه
وحين عرفتُ أنكِ مدعوة للعشاء ذهبت
وعدتكِ ألا أحبكِ ..؟!
كيف .. وأين .. وفي أي يومٍ وعدت ..؟!
لقد كنت أكذب من شدة الصدق
والحمدلله أني كذبت
وعدت بكل برود وكل غباء
بإحراق كل الجسور ورائي
وقررت بالسر قتل جميع النساء
وأعلنت حربي عليكِ
وحين رأيت يديكِ المسالمتين اختجلت
وعدتُ بألا وألا وألا
وكانت جميع وعودي دخانا وبعثرته في الهواء
وعدتكِ ألا أتلفن ليلا
وألا أفكر فيكِ حين تمرضين
وألا أخاف عليكِ
وألا أقدم وردا
وتلفنتُ ليلا على الرغم مني
وأرسلت وردا على الرغم مني
وعدتُ بألا وألا وألا
وحين اكتشفت غبائي ضحكت
وعدت بذبحك خمسين مرة وحين رأيت الدماء تغطي ثيابي
تأكدت أني الذي قد ذُبحت
فلا تأخذيني على محمل الجد
مهما غضبت , ومهما فعلت , ومهما اشتعلت , ومهما انطفأت
لقد كنت أكذب من شدة الصدق
والحمدلله أني كذبت
وعدتك أن أحسم الأمر فورا
وحين رأيت الدموع تهرهر من مقلتيكِ
ارتبكت
وحين رأيت الحقائب في الارض
أدركت أنك لا تقتلين بهذي السهولة
فأنتِ البلاد
وأنتِ القبيلة
وأنتِ القصيدة قبل التكوّن
وأنتِ الدفاتر وأنتِ المشاوير
وأنتِ الطفولة
وعدت بإلغاء عينيكِ من دفتر ذكرياتي
ولم أكن أعلم أني سألغي حياتي
ولم أكن أعلم أنك رغم الخلاف الصغير أنا ,
وأنيَ أنتِ
وعدتكِ ألا أحبكِ
ياللحماقة .!
ماذا بنفسي فعلت
لقد كنت أكذب من شدة الصدق
والحمدلله أني كذبت
وعدتُ ألا أكون هنا بعد خمس دقائق
ولكن إلى أين اذهب
إن الشوارع مغسولة بالمطر
إلى أين أدخل
إن مقاهي المدينة مسكونة بالضجر
إلى أين أبحر
وأنتِ البحار وأنتِ السفر
فهل ممكنٌ أن أظلّ
لعشر دقائق أخرى
لحين انقطاع المطر .؟!
أكيدٌ أني سأرحل بعد انقشاع الغيوم
وبعد هدوء الرياح
وإلا .. سأنزل ضيفاً عليكِ
إلى أن يجيء الصباح
وعدتكِ ألا أحبكِ مثل المجانين في المرة الثانية
وألا أهاجم مثل العصافير أشجار تفاحك العالية
وألا أمشط شعرك حين تنامين يا قطتي الغالية
وعدتكِ ألا أضيّع بقية عقلي
إذا ماسقطتِ على جسدي نجمةً حافية
وعدت بكبح جماح جنوني
ويسعدني أني لا أزال
شديد التطرف حين أحب
تماماً كما كنت في السنة الماضية
وعدتك ألا أخبيء وجهي بغابات شعركِ طيلة عام
وألا أصيد المحار على رمل عينيكِ طيلة عام
فكيف أقول كلاما سخيفا كهذا الكلام
وعيناكِ داري
دار السلام
وكيف سمحتُ لنفسي بجرح شعور الرخام
وبيني وبينك خبز , وملح , وسكب نبيذٍ , وشدوِ حمام
وأنتِ البداية في كل شيء ومسك الختام
وعدتكِ ألا أعودُ .. وعدتُ
وألا أموتُ اشتياقاً .. ومتُّ
وعدتكِ بأشياء أكبر مني
فماذا بنفسي فعلت
لقد كنت أكذب من شدة الصدق
والحمدلله أني كذبت ...