قيادة المرأة للسيارة قرار اجتماعي ثقافي... لاغير
خالد بن فائز الحقباني
كثر الجدل في الآونة الأخيرة حول موضوع قيادة المرأة للسيارة في مجتمعنا السعودي المحافظ، الذي يرى أغلبيته أن اتخاذ مثل هذا القرار يعد فتحا لباب من المشاكل، ففضلوا سدا لهذا الباب منع المرأة من ممارسة هذا الحق المشروع، وقد جاء ذلك بعد أن تم عرض المقترح على أعضاء مجلس الشورى (العام الماضي)، لكن أعضاء المجلس أبدوا حذراً شديداً من التصويت عليه لطرحه للمناقشة، وظل الاقتراح بين مدوجزر على كل المستويات الفكرية والاجتماعية، حتى أوضح خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - مؤخراً خلال الحوار الصحفي الذي أجرته معه وكالة الأنباء الروسية (إيتار تاس)، بأن هذا القرار هو بمثابة قرار اجتماعي، وهذا يعني لنا الكثير، فقد أخرجه - حفظه الله - من كل الاختلافات الجدلية الدينية، وأعطاه طابعاً اجتماعياً ثقافيا بحتا يتلاءم مع حساسية الموضوع، حيث قال: "هذا الموضوع يعتبر قراراً اجتماعياً ودور الدولة هي ضمان توفير المناخ الملائم لأي قرار يراه المجتمع مناسبا بما ينسجم مع مبادئ الشريعة الإسلامية وتعاليمها التي ترتكز عليها الدولة".
وهذا والله عين الصواب، لأنه لايوجد دليل شرعي يمنع المرأة من قيادة السيارة، حتى وإن احتج المانعون لذلك بالقول بأنه بدل أن نفتح على أنفسنا بابا للمشاكل فالأحسن الاكتفاء بتوظيف سائق لها، لكن حتى هذه المسألة فيها نظر واختلافات مذهبية من الناحية الشرعية، وعليه فمسألة قيادة المرأة للسيارة كما ذكر خادم الحرمين الشريفين- مشكوراً - لاتتعدى أن تكون مسألة اجتماعية ثقافية نراها نحن وليدة إيديولوجية على المجتمع ظهرت فيه مع بداية فترة الثمانينات الميلادية لا أكثر ولا أقل، دون الزج بها إلى متاهات الاختلافات الشرعية، لأن البعض من أفراد مجتمعنا انطلاقاً من أفكار هذه الإيديولوجية أصبحوا يرون بأن الصواب هو منع المرأة من ممارسة هذا الحق الذي نراه حقا حضاريا ولها كامل الحرية في اكتسابه وممارسته، لأنهم (مع الأسف الشديد) ينطلقون من هذه الأفكار في اتخاذهم أغلب المواضيع المتعلقة بالمرأة بحساسية مفرطة، وكدليل على ذلك دعونا نذكر مسألة تعليم المرأة عندنا، عندما قام الملك فيصل - رحمه الله وطيب ثراه - بيناء المدارس لتعليم البنات، فوجد معارضة من قبل الأهالي، كانت أشد من المعارضة التي يعرفها موضوع قيادة المرأة للسيارة حالياً، فقال يومها كلمته التاريخية المشهورة: "نحن ببناء المدارس ومن أراد أن يعلم بناته فيها فأهلا وسهلا"، ثم بدأ بعدها المجتمع يتقبل فكرة تعليم البنات رويدا رويدا، حتى وصل تعليمهن إلى أرقى صورة التي نراها اليوم، حيث التحقت بناتنا بالجامعات وتحصلن على شهادات عليا وأصبح طبيبات، مهندسات، معلمات، موظفات... وذلك بفضل وعي المجتمع بهذا الحق الديني الإنساني المشروع للمرأة بصفتها إنسانا قبل أن تكون أنثى؛ غير أن الكثيرات منهن منعن من هذا الحق يومها ظلما وإجحافا، وكانت والدتي الغالية (منيرة) إحدى ضحاياً هذا الظلم، وهي الآن تحاول أن تتدارك بعضا مما فاتها بالتحاقها بمدارس محو الأمية (وهي حالياً في رابعة جيم عائدة للسنة)، علها تصبح قادرة يوما ما على قراءة القرآن وتلاوته؟!
لذا لايجب أن نحرم نساءنا وبناتنا من حقوقهن، بما فيها حق قيادة السيارة، إذ لايجب علينا أن نكون قاصري النظر باتخاذ قرارات متزمتة لاتتلاءم مع العصر، فالنساء في كل أصقاع العالم بما في ذلك دول العالم العربي عامة ودول الخليج العربية خاصة، يقدن السيارات بشكل عادي جدا فلماذا نحرم نساءنا من ذلك طلما لايوجد مانع شرعي، أو أخلاقي يمنعهن؟
ثم من قال بأن المرأة السعودية غير قادرة على قيادة السيارة، تاريخنا يشهد بذلك فنساؤنا في القرى والهجر منذ القديم يقدن سيارات (الونيت، الددسن وحتى الحراثة) بشكل عادي جدا، ودون أي حرج يذكر، فما المانع من قيادتهن السيارات الأخرى بالمدن أيضاً طالما أن القرى والهجر التي تعتبر أقل تطوراً تتقبل الأمر بكل رحابة صدر عكس ما يراه أنصار الإيديولوجية الدخيلة؟
وهنا أقول أن الأجدر بنا مواكبة العصر وعدم النظر إلى قرار السماح للمرأة بقيادة السيارة بصورة آنية، بل الواجب النظر إليه من منظار المدى البعيد، فصدور القرار اليوم لايعني خروج كل نسائنا في الغد القريب بسياراتهن في الشوارع لأن ذلك أمر بعيد التصديق، فقيادة السيارة ليست مسألة هينة كشراء جهاز جوال أو اقتناء جهاز حاسب آلي أو غير هما، بل الأمر أكثر تعقيدا من ذلك، إذ يجب بعد صدور القرار تهيئة مراكز تعليم القيادة، ثم إعداد كوادر نسائية لتعليم نسائنا القيادة، والدخول في تدريب واختبارات لمدة قد تتجاوز السنتين للحصول على رخصة القيادة، وكل ذلك قد يستغرق وقتا طويلاً، كما أنه لايمكن تخيل أن يسمح كل الأهالي والأسر (وأنا واحد منهم) لبناتهم بالقيادة مباشرة بعد صدور القرار، فقد لاتتعدى نسبة الأولياء الذين سيسمحون لبناتهم بذلك 1%، بل وربما حتى بعد خمس إلى عشر سنوات من صدور القرار لن نصل إلى نسبة 10% من النساء اللواتي سيتمكن من قيادة السيارة، وعليه فالقرار يجب أن يتخذ ويتم تقنينه وتحضير الظروف المناسبة له اليوم، ليصبح ساري المفعول في الغد البعيد.
ونحن نؤيد (بشدة) صدور مثل هذا القرار لكننا نرى بضرورة السيطرة على مجالات تطبيقاته حتى لاتعم الفوضى، إلى حين أن يصبح المجتمع واعيا ومؤهلا لتطبيق مثل هذه القرارات الاجتماعية الحضارية، فالواجب وضع شروط مبدئية لمثل هذا القرار إلى حين تقبل المجتمع للموضوع جملة وتفصيلا، وهذه الشروط يمكن تصورها مبدئيا على النحو التالي:
- أن يتجاوز عمر المرأة سن 25سنة
- أن تكون موظفة
- أن تحصل على موافقة الولي (أب - زوج...)
- أن يسمح لها بالسياقة نهاراً فقط خلال السنتين الأوليين من تطبيق القرار فنحن نرى أنه يجب النظر إلى مسألة قيادة المرأة للسيارة من زاوية ثقافية باعتبارها صورة من صور الحضارة الحديثة، وعلينا مساعدتها على الانتشار في المجتمع بدل التصدي لها ومنع وجودها، فقد قال الحبيب المصطفى النبي الرسول محمد بن عبدالله عليه أفضل الصلاة والسلام: "علموا أولادكم السياحة والرماية وركوب الخيل".
رابط الخبر تصريح لقيادة المرأة السعودية للسيارة : http://www.alriyadh.com/2007/03/17/article233761.html