في ربوع السودان الفسيح كانت عائلة الحاج حسن تقطن قرية على إحدى روابي كسلا الرائعة ، هذه المدينة التي تغنى بها أحد الشعراء فقال:
كسلا أشرقت بها شمس وجدي*** وهي بالحق جنة الإشراق
في تلك القرية وفي أحد الأيام عندما أذن المؤذن لصلاة الفجر، تحركت الحاجة زينب زوجة الحاج حسن لتؤدي صلاة الفجر. كانت الحاجة زينب نحيلة الجسم، قصيرة القامة بشرتها تميل إلى البياض وقد بدا على وجهها سنوات عمرها الستين، كان الشيب قد بدأ يطفو على جزء من شعرها الأسود الداكن. لم تكن الحاجة زينب قد نامت جيدا الليلة الماضية، بل تكاد تكون لم تعرف طعم النوم أصلا، حيث أن هموم بناتها الخمس ومتطلباتهن وكذلك همها الأكبر ابنها الوحيد عباس قد شغلت جل تفكيرها، وبينما هي تتوضأ لصلاة الفجر تهادى إلى سمعها صوت ابنها عباس وهو عائد خلف البهائم تفوح منه رائحة العشب والغلال وقد بلغ منه التعب والإعياء مبلغهما.
صلت الحاجة زينب صلاتها وأخذت تتضرع إلى الله لكي يساعدها وزوجها في توفير احتياجات أبنائهما ومتطلبات الحياة.
وبعد أن أتمت الحاجة زينب صلاتها أخذت تعد طعام الإفطار شاي الصباح لعائلتها، وقد شردت للحظات حيث أخذت تتأمل الغرفة الرئيسية والشمس بأشعتها الذهبية تسدل وشاحا من الظل على جدرانها المتصدعة.
وبينما كانت الحاجة زينب تعد الشاي دار في مخيلتها شريط ملئ مفعم بالتفاؤل حيث تخيلت وحيدها وهو يسافر إلى إحدى البلدان الخليجية، نعم.. لقد أصبح رجلاً ويمكنه السفر كبقية شبان القرية الذين سبقوه وبعد سفره واستقراره وحصوله على العمل المناسب سيرسل لها المال الوفير الذي به سترمم البيت القديم.. ((لا بل سأهدمه وأعيد بناءه من جديد)) هكذا قالت في نفسها، ولسوف أشتري مولدا كهربائيا كالذي يمتلكه شيخ القرية وسأرى الكهرباء تشع كالشمس في منزلي، وكذلك سأشتري أرضا كبيرة من شيخ القرية وأزرعها لتدر علي المال الوفير ونصبح أغنياء، وعندها سأزوج عباس أجمل بنات القرية .. سيكون حفل زواجه ساهرا وضخما تتحدث عنه عدة أجيال من بعدنا و... وأفاقت من أحلامها على صوت الماء الحار وهو يتدفق من مقدمة إبريق الشاي وبسرعة أطفأت النار وأخذت تعد الشاي في حين أن نيران أحلامها لا تزال مشتعلة وتنتظر بفارغ الصبر الحاج حسن على أحر من الجمر لتطفئ على صدره الحنون نيرانها.