د. عبد الله الصبيح
10/12/2006
(الجزء الأول)
حرية التعبير يمكن أن تُوصف بأنها نقطة صدام بين الحضارات، ويمكن أن تكون نقطة لقاء بينها كذلك، بل يمكن أن يُقال عنها إنها نقطة صدام بين كل مختلفين ونقطة تعارف بينهما أيضاً. ذلك أن ما يمكن أن يعبر عنه أحدهما، ويرى أنه يمارس حقاً له ربما يراه الطرف الآخر سبيلاً إلى نقض مذهبه أو ربما شتمه وبيان عواره، وربما يكون وسيلة لأن يفهم أحدهما الآخر. وأنا هنا سوف أتناول هذه القضية في ضوء الرسوم الكرتونية التي حدثت في الدانمرك. وحديثي هنا ليس عن قضية الرسوم، وإنما هو عن حرية التعبير، أما الحدث ذاته فقد أُشبع حديثاً. وحرية التعبير قضية فلسفية لا ينتهي الحديث عنها بانتهاء حدث معين، وإنما هو باقٍ ما بقي الاختلاف بين البشر. ويبدو أن مفهوم حرية التعبير سوف يبقى موضع نزاع مع تطور الصراع بين الإسلام والغرب، ومع تطور الصراع الفكري داخل المجتمع المسلم الواحد. ولهذا فلا مانع من تناولها حتى بعد انتهاء الحدث.
بعد حادثة الرسوم الكرتونية ثار جدل حول حدود حرية التعبير: هل هي مطلقة أم مقيدة؟ وإذا كانت مقيدة فما حدود التقييد؟
ربما أراد البعض لنا أن نفهم بأن الإسلام ضد حرية التعبير، بينما الحضارة الغربية مع حرية التعبير، بل هو أحد خصائصها الأساسية. وهذا ما ألح عليه رئيس الوزراء الدانمركي ورئيس تحرير الصحيفة ناشرة الصور. وهو معنى كرّرته الصحيفة في أسفها المنشور في موقعها على الإنترنت وفيما نشرته من مقالات تناولت هذا الحدث.
إذن في الجانب الدانمركي ومن خلفه مؤيدوه في العالم الغربي يرون أن القضية لا تعدو عن كونها قضية تعبير عن الرأي، ويرون أن المشكلة تكمن في عدم استيعاب المسلمين هذا الحق الذي يتمتع به كل مواطن دانمركي بل كل فرد يقطن في الغرب. وفي الجانب الإسلامي يرون أن القضية تجاوزت مسألة التعبير عن الرأي بمجرد تناولها المقدسات بطريقة ساخرة. ويحتجون ببعض التصريحات التي صدرت من بعض القائمين على الصحيفة، على أن الهدف من تلك الرسوم امتهان المقدس عند المسلمين.
وكان مما احتجوا به أن حق التعبير في الغرب ليس حقاً مطلقاً، بل إن الصحيفة نفسها التي نشرت الرسوم لم تعالج حق التعبير باعتباره حقاً مطلقاً وإن زعمت ذلك. ولهم على ذلك شواهد: منها أن الصحيفة لا يمكن أن تنشر صوراً جنسية مخلة بالحياء أو صور أطفال عراة يمارس معهم الجنس، ويؤكدون بأن هذا النوع من الصور لا تقرّه الحضارة الغربية، ولا تعدّ نشرها من قبيل حرية التعبير. ويقولون أيضاً إن الصحيفة لا يمكن أن تتعامل مع الهوليكوست بحيادية تامة.
هذا في جانب تطبيق حق حرية التعبير، أما في تصوره النظري فيحتج المعترض بأن نظرية الحقوق الشخصية ومنها حق التعبير مبنية على تصور افتراضي، وهو ممارسة الإنسان لحقوقه المطلقة قبل نشأة المجتمع والدولة، ونشَأت المجتمع والدولة فيما بعد بموجب عقد اجتماعي يوجب على الفرد التخلي عن بعض حقوقه لمصلحة المجتمع ولمصلحة الدولة. فالحق أياً كان لا يخلو من تقييد، بل إنه لا يمكن أن يوجد مجتمع من غير تقييد حقوق أفراده؛ لأن تقييد الحقوق شرط من شروط التعايش فيما بينهم.
ويخلص المعارضون إلى أن حق التعبير في الغرب عليه قيود، وليس حقاً مطلقاً. وإذا ثبت ذلك فلا معنى لاتهام الإسلام بأنه يقيد حرية التعبير، كما أنه لا معنى للاحتجاج بحرية التعبير في قضية هي موضع نزاع بين حضارتين؛ لأن استخدام حق التعبير هنا يمثل اعتداء من إحدى الحضارتين على الأخرى.
أما السخرية وحق التعبير وهل هي منه أم لا، وهل تؤدي إلى تفاعل حضاري سليم فهو ما سوف أتطرق إليه في المقال التالي.
(الجزء الثاني)
حرية التعبير والسخرية
في التصور الإسلامي هناك فرق بين حق التعبير وبين السخرية، وحق التعبير مكفول بشروطه، أما السخرية فهي ممنوعة، وتمثل اعتداء من الساخر على من سخر به.
وحينما يفصح أي شخص عن رأيه أياً كان هذا الرأي فهو يؤدي إلى حوار، وربما أدى الحوار إلى ظهور الحق أو إلى تفاهم وتقارب بين المتحاورين، أما السخرية فتؤدي إلى شتيمة وإلى تعصب كل فريق برأيه. والرسوم الكرتونية الدنماركية لا تدخل ضمن ممارسة حق التعبير، وإنما ضمن السخرية. مثلاً إحدى الرسوم اتهمت الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالإرهاب، ومن المعلوم أن الرسم الكرتوني لا يتضمن حجة، وإنما يتضمن تهمة، ومن يريد أن يحاور يبحث عن حجة كي يدحضها. وإذا لم يجد حجة فربما بادل التهمة بتهمة، والشتيمة بشتيمة، وهذا ليس حواراً، وليس حرية تعبير يفضي إلى تفاعل اجتماعي سليم بل مشاتمة تفضي إلى مفسدة وفتنة اجتماعية.
و نحن نجد في القرآن و السنة أن الله عز وجل و رسوله -صلى الله عليه وسلم- لم يعيبا على من جاء يطلب الحق مهما كان السؤال الذي يسأله، والرأي الذي يطرحه، أما في مقام السخرية فذم الله -عز وجل- من عمل ذلك، فقال: (ويل لكل همزة لمزة).
وقال: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب، قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون).
وقال: (فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون).
والمسلم مأمور بتبليغ دين الله -عز وجل- وإقامة الحجة على المخالف، ولكن إذا تحول المجلس من الجد إلى الهزل وإلى سخرية بالأدلة والبراهين فحينئذ ينبغي ألاّ يُجلس فيه؛ لأن البلاغ لا يتحقق في جو كهذا الجو، قال تعالى:(وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره).
وليس سبب النهي عن الجلوس معهم هو الكفر بل هو السخرية، فالسخرية بالحق إن صدرت من مسلم أو كافر مردودة عليه مأمور بتجنبها.
والسخرية مذمومة لأنه يجتمع فيها أمور:
الإصرار على المذهب والتعصب له، والإعراض عن الحق، ولأنها تحوّل الموقف إلى موقف ضاحك هازل، والهزل لا يتفق مع الحوار.
والحوار لا يكون مع من هذا شأنه؛ لأنه لا يعرض حجة ينافح عنها، وإنما يعرض سخرية تؤذي مسامع الآخرين، وشتيمة يترفّع عنها الكرام.